لماذا يتطلّب تحسين مخرجات المتعلّمين أكثر من مجرّد منتجات رائعة

Mark Griffiths
لماذا يتطلّب تحسين مخرجات المتعلّمين أكثر من مجرّد منتجات رائعة

 

غالباً ما تشمل الحلول المقترحة لمعالجة مشكلةٍ اجتماعية منتجاً جديداً. لكن طرح الموضوع بهذا الشكل قد لا يبدو مُقنعاً؛ لأن هناك سلسلة معقدة من الأسباب والنتائج التي تؤثر بدرجات متفاوتة على أي مسألةٍ اجتماعية. على سبيل المثال، تتأثر عدم المساواة في الدخل بشكلٍ أساسي بطبيعة الاقتصاد المتغيرة. أما بالنسبة لتفشّي السمنة في مجتمعاتنا، فهو يعكس وجود مشاكل ليست في البنية التحتية في مدننا فحسب؛ بل وفي عاداتنا الاستهلاكية بالإضافة إلى الإستراتيجيات التسويقية المتبعة.

على الرغم من ذلك، تَبيّن لي من خلال خبرتي في قطاعات الإغاثة الإنسانية والتعليم، أن الحماس تجاه كل ما هو جديد يسيطر ويتغلب على تفكير وأفعال الكثير، خاصةً ما بين الأشخاص الذين يعملون في مجال الابتكار. وهناك أدلة على أن هذا التحيُّز متواجد في قطاعات أخرى كالصحة مثلاً. حيث بيّنت دراسة حديثة ترجيح البحوث العلمية المتعلقة بأدوية جديدة على حساب البحوث المتعلقة بالعوامل المؤثرة على الصحة: كالاجتماعية والبيئية والرقمية والسلوكية.

للتوضيح، لا أعني هنا أنه لا حاجة لمنتجاتٍ جديدة، فنحن بأمسّ الحاجة إلى أدوات تعليم مصممة بشكل جيد للتعامل مع التحديات الخاصة بتعلم اللغة العربية والرياضيات. كما نحتاج لحلول تستند على دراسات ودلائل لكي يتم الاستفادة منها من قبل كافة المتعلمين، بالإضافة إلى مبادرات وجهود جديدة من أجل إنشاء رياض أطفال يركز على النتائج الفعالة.

المقصود اذاً أنه من النادر أن يكون تطوير منتجٍ جديدٍ كافياً لحل مشكلةٍ اجتماعية.

من المفيد لغايات التوضيح النظر في ثلاثة اختراعات، كالآيفون والكهرباء وحاويات الشحن، وتتبُّع ما نتج عنهم من أثر. ما يمكن الإجماع عليه عند تفحص تاريخ تلك الاختراعات هو أن التغيير يحدث عندما تجتمع الابتكارات ذات الطابع المختلف مع بعضها البعض.

كما يعود نجاح شركة أبل في تغيير طريقة استهلاكنا وسماعنا للموسيقى إلى المزج  ما بين منتج، وهو الآيفون، مع خدمة وهي الـ iTunes. كما كان هناك دور لشركة Napster في التأثير على العادات الإستهلاكية للموسيقى من خلال عروضها وسياساتها التسعيرية لقطاع الموسيقى.  

شهد النصف الثاني من القرن العشرين طفرةً تجارية كبرى؛ حيث تطور مجال تكنولوجيا المعلومات والنقل بطريقة هائلة وأصبح الكثير يتبنى سياسات التجارة الحرّة – الأمر الذي ذكر بشكل معمق في هذا الكتاب.

وبالمثل، فقد ساهمت كهربة المنازل الأمريكية في تحقيق انتشارٍ واسع للأجهزة الكهربائية خاصةً تلك التي تعمل على توفير الجهد، كالغسالات. ومع ذلك، لم يكن التأثير على مشاركة النساء في القوى العاملة ظاهراً إلا عندما أصبح هناك تشريعات خاصة بالمساواة في الأجور وظهر عددٌ من نماذج يُقتدى بها من النساء بالإضافة إلى الحاجة المتزايدة إلى زيادة الدخل المعيشي للأسرة.

اقترح جيف مولغان، الذي يعد أحد الأشخاص الذين يلهمونني فكرياً، اطاراً بسيطاً يحدد أربع عناصر لنظام التغيير:

  • منتجات أو خدمات جديدة (مثل: دواء، كتاب مدرسي للطلبة، أو خدمة تقييمية).

  • سلوكات وعادات جديدة.

  • سياسات وقوانين جديدة (مثل: تشريعات متعلقة بمعدلات التوظيف في رياض الأطفال).

  • الأسواق المُعاد تقييمها (مثل: الضرائب والإعانات وضمانات السوق).

ويقترح مولغان أن التغيير يحدث عند اجتماع اثنين أو أكثر من هذه العناصر. على سبيل المثال، هناك مجموعة جديدة من موارد محو الأمية التي تعطي أهميةً أكبر للتعليم المنهجي لعلم الصوتيات، كمنتج، مصحوباً بتطوير مهني عالي الجودة للمعلمين، كخدمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التدابير الحسنة للمساءلة في المدارس، أي تغيير في التنظيم، يُحمل المدارس مسؤولية اتخاذ الإجراءات التعليمية الفعالة. والجدير بالذكر أيضاً أنه يجب أن تتماشى كل هذه العناصر مع المناهج المعاد صياغتها، بحيث تضمن التركيز على ما هو أساسي وتوفر المزيج المناسب من الضغط والدعم لإحداث التغيير المرجو.

فالقليل من النظريات قد يكون عملياً في بعض الأحيان.

هدفنا في مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية هو إيجاد وتصميم حلول تعكس طبيعة التحديات التي يواجهها قطاع التعليم. فلطالما قُمنا بإجراء الأبحاث والأعمال المتعلّقة بالسياسات والأنشطة البرامجية، إلا أننا نقوم حالياً بجمعهم معاً. حيث أن تلك الجهود تبدأ حالياً بتحليل المشكلة التي نودّ معالجتها.

وتتّسع تلك الجهود لتشمل تصميم الاستجابات التي تُدرك أن اختراع مُنتجٍ ما غالباً لا يكفي. فعلى سبيل المثال؛ قد تحتاج لإضافة خدمة للتأكُّد من استخدام المُنتج بكفاءة لتحصل حينها على برنامج مُتكامل.

فأحياناً لا يكون البرنامج كافياً إذا كانت السياسات والعادات والمحفزات المالية القائمة تقف عائقاً أمام فعّالية ذلك البرنامج. فمثلاً؛ سيجد برنامجٌ يعمل على تشجيع العمل الجماعي في المدرسة صعوبةً لتحقيق فعاليته في حال عملت المناهج على تثبيطه، أو إذا عجزت عن معالجة حقيقة أن عادات المعلمين تمنح ميّزةً للعمل الهادئ بشكلٍ منفرد.

لا يُعد هذا النوع من التفكير جديداً (فهو شائعٌ في مجالات كالتخطيط العسكري أو تتبُّع الأوبئة الصحية). كما أنه ليس صعب التنفيذ، إلا أنه نادراً ما يُطبّق في وضع وتنفيذ سياسات التعليم. نحن نؤمن بأن المتعلمين يستحقون منّا القيام بالمزيد في هذا المجال.